معلم تحت التدريب

رغم تباين الردود على منصات التواصل تجاه ما يُتداول عن توجُّه وزارة التربية لتطبيق نظام «المعلم المتدرب» لمدة عام قبل التعيين الرسمي، فإنها تبقى خطوة مستحقة في طريق إصلاح مهنة التعليم.
وأنا أتحدَّث هنا من تجربة شخصية؛ ففي بدايات الألفية، عملت بوظيفة «مصمم غرافيك» بالهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، وكُنت حينئذ الوحيد الذي يحمل شهادة مصمم غرافيك في الإدارة العامة للهيئة، ومع ذلك كان مسماي في بداية التعيين «مساعد مصمم فنون تخطيطية». وكُنت أسأل المسؤولين: أين المصمم الذي سأكون مساعداً له؟ فقيل لي: هذا هو النظام المتبع.
ومع مرور السنوات تدرَّجت في المسميات الوظيفية، حتى أصبحت «اختصاصي تصميم غرافيك». وقد أدركت لاحقاً أن التدرُّج المهني ليس انتقاصاً من الموظف الجديد، بل وسيلة طبيعية لاكتساب الخبرة وتحمُّل المسؤولية تدريجياً. وهذا معمول به في كثيرٍ من الوظائف؛ فالمهندس والطيار وغيرهما لا تبدأ مسيرتهم المهنية بالضرورة من أعلى درجات المسؤولية، بل يمرون بمراحل من التدريب والممارسة والاختبار قبل الوصول إلى المسمى الوظيفي المستحق.
إن حصول خريج التربية الأساسية على شهادة جامعية لا يعني بالضرورة أنه أصبح معلماً مكتمل الأدوات. فالتدريس في الواقع مع رغبة الشخص الحقيقية في أن يكون معلماً تربوياً، يختلف عن الدراسة الجامعية، بما فيها الدراسة الميدانية وما يتبعها من توصيات.
ومن خلال عملي في الميدان التربوي وتعاملي مع المعلمين، أستطيع القول إنني رأيت خريجين من تخصصات غير تربوية يمتلكون كفاءة مهنية وعلمية تفوق شريحة كبيرة من خريجي كليات إعداد المعلم. وهذا يفتح سؤالاً مهماً حول مخرجات كليات التربية. فالشهادة ينبغي أن تكون جواز دخول عالم التعليم، لا ضماناً نهائياً لممارسة المهنة.
وقد أكدت تقارير البنك الدولي والمركز الوطني لتطوير التعليم تراجع مستوى الطلبة في الاختبارات الدولية، بسبب ضعف تأهيل المعلم، إذ كشفت التحليلات أن عدداً غير قليل من الخريجين يواجهون صعوبة حقيقية في التمكُّن من العُمق العلمي لموادهم الأساسية، كاللغة العربية، والرياضيات، والعلوم، وضعف في مهارات التدريس. وهو ما يفسِّر تدني المخرجات التعليمية، ويؤكد الحاجة الماسة إلى إعادة تقييم كفاءة المعلم قبل تسليمه قيادة الفصل الدراسي.
إن عدم جدية كليات إعداد المعلمين في تحسين مخرجاتها لا يلزم وزارة التربية بقبول هذه المخرجات، فالوزارة مؤتمنة على مستقبل أبنائنا العلمي والتربوي. إن أول خطوة جادة في تطوير التعليم هي اختيار أفضل الكوادر التعليمية، لأن فتح أبواب التعيين من دون اختبارات كفاءة ومقابلات دقيقة يُعد مغامرة واستهانة بمستقبل الطلبة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا يتهيب بعض خريجي الكليات التربوية من هذه الاختبارات، وهم أولى بالثقة في قدراتهم، في حين اجتاز هذه الاختبارات بجدارة مَنْ هم من خارج القطاع التربوي؟!
في بعض الوزارات يتم امتحان المهندس قبل تعيينه، ثم يبدأ مساره الوظيفي بمسمى «مهندس مبتدئ» إلى أن ينتهي بـ «كبير المهندسين»، فلماذا نستهين بوظيفة المعلم، الذي يبني الأجيال؟!