مدير «لوكارنو السينمائي» لـ «الجريدة»: السينما لا تُختزل في تصنيفات

قال المدير الفني لمهرجان لوكارنو السينمائي، جيونا ناتزارو، إن التحولات التي شهدتها صناعة السينما خلال السنوات الأخيرة أثبتت أن الفصل التقليدي بين السينما التجارية وسينما المؤلف لم يعُد يعكس واقع الصناعة، مشيراً إلى أن الفيلم لم يعد يُقاس بنوعية الجمهور الذي يستهدفه أو بحجم نجاحه التجاري، وإنما بقدرته على تحقيق رؤيته الفنية والوصول إلى جمهوره بصدق.
وأضاف في حديثه لـ «الجريدة» أن مهرجان لوكارنو لا ينطلق في برمجته من تصنيفات أو قوالب مسبقة، بل يتعامل مع كل فيلم بوصفه تجربة مستقلة، موضحا أن لجنة الاختيار تبدأ مع كل عمل «من الصفر»، في محاولة لفهم ما يريد الفيلم أن يقوله وكيف نجح في التعبير عن نفسه، بعيداً عن البحث عن موضوعات أو اتجاهات بعينها.
وأشار إلى أن هذه الفلسفة تنعكس على بناء البرنامج العام للمهرجان، الذي يمنح الجمهور أكثر من مدخل لاكتشاف السينما، من خلال أقسام متنوعة تتيح متابعة المواهب الجديدة، والأعمال الأكثر تجريباً، والعروض الجماهيرية، بما يسمح للمشاهد بتكوين تجربته الخاصة داخل المهرجان، ويعكس في الوقت نفسه اتساع المشهد السينمائي العالمي وتنوعه.
وأكد ناتزارو أن سياسة التكريم في «لوكارنو» لا تقوم على الاحتفاء بالنجومية فقط، وإنما على تقدير مسيرة فنية تركت أثراً حقيقياً في تاريخ السينما، لافتاً إلى أن اختيار الشخصيات المكرمة يمثّل اعترافاً بإسهاماتها الإبداعية، ويعكس تنوّع الفنون السينمائية، سواء في التمثيل أو الإخراج أو الجوانب التقنية.
وأضاف أن هوية الدورة الجديدة لا تتجسد في الأفلام وحدها، بل تمتد إلى عناصرها البصرية والفكرية، مشيراً إلى أن اختيار عمل للفنانة الأميركية سيندي شيرمان ليكون الملصق الرسمي للمهرجان جاء انطلاقاً من رغبة في ربط السينما بالفنون البصرية، وفتح نقاش حول قضايا الهوية والصورة وإعادة النظر إلى الواقع المعاصر.
ولفت إلى أن البرنامج الاستعادي الذي خُصص هذا العام لـ «القائمة السوداء» في «هوليوود» لم يهدف إلى استعادة مرحلة تاريخية فحسب، وإنما إلى إعادة طرح الأسئلة المتعلقة بحريّة التعبير واستقلال الفنان في ظل التحولات السياسية والثقافية الراهنة، معتبراً أن السينما تظل مساحة للنقاش والدفاع عن حرية الإبداع بقدر ما هي وسيلة للتعبير الفني.
وقال ناتزارو إن الدورة الـ 79 لمهرجان لوكارنو عكست الرؤية التي يعمل عليها المهرجان منذ سنوات، والمتمثلة في تقديم برنامج يجمع بين اكتشاف المواهب الجديدة والاحتفاء بالأسماء الراسخة، مع الحفاظ على مساحة واسعة للتجريب السينمائي.
وأضاف أن الدورة المنتهية لم تسعَ إلى تقديم اتجاه سينمائي واحد، بل تعكس تعددية الأصوات واللغات والأساليب التي تميّز السينما المعاصرة، من خلال برنامج يضم أفلاماً من مختلف أنحاء العالم، موزعة بين المسابقة الدولية، والأقسام المخصصة للمخرجين الصاعدين، والعروض الجماهيرية في ساحة «بيازا غراندي»، إلى جانب البرامج الاستعادية والفعاليات الفكرية، مؤكداً أن هذا التنوع يمثّل جوهر هوية «لوكارنو»، ويمنح الجمهور فرصة لاكتشاف السينما من زوايا متعددة، بما يجعل المهرجان مساحة للحوار بين التجارب المختلفة، لا مجرد منصة لعرض الأفلام.