ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaتوابل بقلم جريدة الجريدة الكويتية

بين سجل المرضى... وشاخص القبر

بين سجل المرضى... وشاخص القبر

في عيادة الطبيب وقف جاسم ذو الخمسين ربيعاً يتصبب عرقاً بسبب زحمة الحضور وانقطاع تيار الكهرباء التي هجع معها جهاز التكييف المثبت في زاوية القاعة الصغيرة التي تملأها كراسي المراجعين مخلفاً صمتاً رهيباً وقطرات ماء تتساقط من جانبي الجهاز لتستقر فوق بلاط الموزائيك القديم، كانت أمه قد أصيبت قبل 9 أشهر بمرض تصلب الشرايين، ولكنها كغيرها من نساء القرية لا تؤمن بكل ما يقوله الطبيب، كيف لا وهي التي سمعت أباها ولأكثر من مرة يذكر على سبيل الافتخار أنه لم يراجع الطبيب إطلاقاً، وشاهدت أمها كيف تجاوزت الـ80 عاماً بدون أي مشاكل صحية.

نهض جاسم من الكرسي وعين أمه التي تجلس بجواره إلى اليمين تلتهم كل حركاته، عيناها الذابلتان كانتا تشي بشيء من الحزن الشفيف وهي ترمق صدغيه، فهما باتا فريسة للشيب يملأهما متسللاً إلى هامته في منظر يشبه النجوم في ليالي الصيف، امال جسده النحيف نحو اليسار مارقاً بين صفي كراسي إلى باب العيادة الخارجي ليشعل سجارة، وعبثاً يحاول أن يدفع مع زفير الدخان كل الهموم التي تجثم على صدره، مرض أمه، حاجته للمال، بيته المتداعي، أزمة الدين الخانقة، وفجأة انتابه شعور غريب وإحساس أشبه ما يكون باليقين عندما راودته فكرة أن الذين لا يرثون عن آبائهم وأمهاتهم شيئاً ربما هم أبر الناس بالوالدين، فهو في تلك اللحظات تساءل مع نفسه ما فضل الأبناء الموسرين من أبناء الأثرياء في مواقف كهذه، أليست أموال آبائهم وأمهاتهم؟

ألقى جاسم عقب السجارة على الأرض، وفركه تحت كعب نعله بقوة وهو مندمج على هذه الفكرة وكأنه اكتشف لغزاً اجتماعياً كبيراً يضاهي كشوف البعثات العلمية في مقابر الفراعنة، حيث الدليل العلمي الناهض، استدار إلى الخلف متوجهاً إلى باب العيادة ليشق الصفوف مجدداً باتجاه سكرتير الطبيب، ونظرات المرضى ومرافقيهم تقصه بشيء من الفضول أو خوفاً من انتهاك نظام التسلسلات، وقف أمام السكرتير بدون أن يحدثه وعيناه تلتهم سجل التسلسل، قبل نصف ساعة أبلغه السكرتير أن اسم أمه يحمل التسلسل 28 في سجل المرضى المراجعين، وبنظرة سريعة صوب الأسماء وجد أن السكرتير قد شطب على 24 اسم بواسطة القلم الجاف الأزرق، وعلى الرغم من أن عملية الشطب هذه طبيعية جداً لمن يعمل في هذه الوظيفة لكن جاسم ارتاع لهذا المنظر، ودفعه الفضول إلى أن يسأل السكرتير: «لماذا لا تكتفي بوضع علامة أمام الاسم؟»، وكان رد سكرتير الطبيب «وما الفرق؟».

لقد تحول الجواب إلى سؤال غير متوقع، وفي هذه اللحظة بالذات احتار جاسم في الإجابة، غير أنه اكتفى بقول: «لا شيء»، واستدار إلى الخلف ليستقر نظره على وجه أمه التي لا ترى غيره في تلك القاعة، رغم إمارات المرض التي كانت بادية عليها، ولسوف يتذكر هذه اللحظات طويلاً وهو يقف أمام قبر أمه بعد أيام، ويغسل بكلتا يديه المتيبستين شاخص القبر وعليه اسم أمه بلون أسود منقوش على لوح من المرمر الأبيض لا تطاله يد السكرتير ليشطب عليه مرة أخرى.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓