الأناقة الاشتراكية وخدعة «الرعاية الصحية للجميع»

راقب أحد أصدقائي، أخيراً، ظاهرة لافتة في أحد أحياء نيويورك التي صوّتت بكثافة لزهران ممداني، فكثير من الشباب الميسورين هناك يرتدون ملابس توحي الفقر أو بملابس العمال، فيما يمكن وصفه بـ «الأناقة الاشتراكية». وهذه المفارقة تختصر حال كثير من التقدميين المنتمين إلى الطبقات الميسورة الذين يتظاهرون بالتضامن مع الطبقة العاملة، بينما يعيشون حياة بعيدة عنها تماماً.
هذا الوصف ينطبق، برأيي، على عبدالسيد، المرشح اليساري الأوفر حظًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. فقد بنى حملته على شعارات جذابة، مثل توفير رعاية أطفال مجانية، و«الرعاية الصحية للجميع»، وفرض ضريبة ثروة بنسبة 8 بالمئة على المليارديرات.
يقول إن النظام الاقتصادي يجب ألّا يصنع مليارديرات، بل ينبغي أن يضمن لكل مواطن السكن والرعاية الصحية والغذاء الكريم. لا أحد يعترض على هذه الأهداف، لكنّ المشكلة تكمن في الوسائل التي يقترحها، والتي تعني عملياً توسيع سيطرة الحكومة على الاقتصاد والرعاية الصحية، مع تعميق الاختلالات التي يدّعي محاربتها.
عبدالسيد حاصل على دكتوراه في الصحة العامة من جامعة أكسفورد وشهادة الطب من جامعة كولومبيا، لكنّه لم يُكمل تدريبه الطبي ولم يمارس مهنة الطب. وبدلاً من ذلك، كرّس حياته المهنية للعمل مع المنظمات التقدمية. ويقول إنه لو كان هدفه المال لأصبح جرّاحاً.
لكن دخله الشخصي يروي قصة مختلفة، فقد بلغ دخله هو وزوجته العام الماضي نحو 686 ألف دولار، مما يضعهما ضمن أعلى 1 بالمئة من أصحاب الدخول في ميشيغان. وجاء جزء كبير من هذا الدخل من أرباح رأسمالية، إضافة إلى إيرادات برنامجه الصوتي وممارسة زوجته للطب النفسي. كما يمتلك الزوجان أصولًا تتراوح قيمتها بين 882 ألفاً و2.2 مليون دولار، تشمل 3 عقارات للإيجار، أحدها في دبي.
لا مشكلة في أن يحقق عبدالسيد هذه الثروة، لكن السؤال هو: لماذا يعتبر نجاح الآخرين، ولا سيما المليارديرات، أمراً يستحق العقاب الضريبي؟
في الأيام الأخيرة حاول المرشح التنصل من صفة «الاشتراكي»، مؤكدًا أنه «رأسمالي يفهم كيف تعمل الرأسمالية»، غير أن برنامجه السياسي يقول شيئاً آخر.
ومن أبرز أمثلة ذلك شعار «الرعاية الصحية للجميع»، فهذا الشعار يوحي بتوسيع برنامج ميديكير الأميركي، بينما الحقيقة أنه يدعو إلى نظام حكومي أحادي الممول يختلف جذرياً عن «ميديكير» الحالي.
فبرنامج «ميديكير» يفرض أقساطاً شهرية، وخصومات مالية، ومساهمات في تكاليف العلاج، كما يشتري ملايين كبار السن تأميناً إضافياً لتغطية الخدمات التي لا يوفرها البرنامج الحكومي. كذلك يختار نحو نصف المستفيدين الانضمام إلى برامج «ميديكير أدفانتج» التي تديرها شركات خاصة، لأنها توفر تغطية أفضل وتكاليف أقل، بينما يقترح عبدالسيد إلغاء هذه البرامج بالكامل.
ويصور المرشح مشروعه باعتباره علاجًا لمشكلات النظام الصحي الأميركي، متجاهلاً أن كثيراً من هذه المشكلات نتج أصلًا عن سياسات حكومية، مثل توسع برنامج ميديكيد وانخفاض تعويضات الأطباء، وهو ما قلّص إمكانية حصول المرضى على الرعاية.
أما النموذج الذي يطرحه فيشبه أنظمة الرعاية الحكومية في دول أخرى، حيث يواجه المرضى فترات انتظار طويلة للحصول على العلاج، بينما يستطيع الأثرياء تجاوز الطوابير بالدفع من أموالهم الخاصة، تاركين بقية المواطنين أمام خدمات أقل جودة وتأخير أكبر.
لهذا أرى أن شعار «الرعاية الصحية للجميع» ليس سوى غطاء سياسي جذاب لمشروع حكومي واسع يَعِد بالمساواة، لكنّه ينتهي إلى تقليص الخيارات، وإضعاف جودة الخدمات، ومنح الدولة سلطة أكبر على حياة المواطنين. وكما هي حال كثير من الشعارات الاشتراكية، فإن بريقه الدعائي يخفي واقعاً مختلفاً تماماً.