ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم د. فتوح الرقم

رثاء: سليمان البدر...

رثاء: سليمان البدر...

عندما يرحل الأحبة والأهل إلى جوار رب العزة، يؤلمنا فراقهم، وتصبح الكلمات أصغر من أن تصف حجم الغياب، فلا يبقى لنا إلا الدعاء، وما تختزنه الذاكرة من مواقف وذكريات تعيد إلينا مَن نحب وكأنهم ما زالوا بيننا.

آلمني فقدان الوالد الدكتور سليمان سعدون البدر، ذلك الإنسان الذي جسّد في حياته أسمى معاني الإنسانية والوفاء والعطاء، وحب عمل الخير، وخدمة الوطن والأهل والأقارب والمحتاجين. وآلمني أكثر أن يصل إليّ خبر رحيله وأنا على أميال بعيدة عن أرض الوطن، في لحظة تمنيت فيها لو أن المسافات تختصر لأكون بين أهلي وأودعه معهم.

وأقول «الوالد» لأن الأبوة ليست دائماً صلة دم فحسب، فهناك أشخاص تمنحهم مكانتهم في القلب، وحنانهم واحتواؤهم ومواقفهم معنا منزلة الوالد. وكان عمي أبوخالد ــ رحمه الله ــ واحداً من هؤلاء.

في لحظات الفقد تتزاحم الذكريات، وتحضر المواقف الصغيرة قبل الكبيرة، ولا تسعفني الكلمات لأوفي سيرته العطرة حقها، أو لأختصر حياة امتدت بالعطاء والعمل والخير في بضعة أسطر.

فقد كان، قبل كل منصب وكل لقب، إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كان دمث الخلق، هادئ الطبع، كريم النفس، وفياً لأهله وأصدقائه، حريصاً على صلة الرحم والسؤال عن الأهل والأقارب والوقوف إلى جانبهم. وكان لفعل الخير نصيب كبير من حياته؛ يساعد المحتاج، ويمد يد العون لمَن يستطيع، داخل الكويت وخارجها، بصمت لا يعرف تفاصيله إلا من كان قريباً منه.

لم يكن يبحث عن الثناء، ولم يكن يتحدث عما يقدم. كان يفعل الخير لأنه يؤمن بأن هذا ما ينبغي للإنسان أن يفعله.

وهكذا كان في حياته العامة أيضاً؛ هادئاً في حضوره، كبيراً في أثره.

أمضى سنوات طويلة في رحاب جامعة الكويت أستاذاً وأكاديمياً وإدارياً، ثم عميداً لكلية الآداب، وأسهم بعلمه وعمله في تعليم أجيال من أبناء الكويت. حمل شغف المعرفة بتاريخ وحضارة الخليج العربي، وآمن بأن العلم رسالة، وأن التعليم هو الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان وتصنع به الأجيال مستقبلها.

ثم جاء واحد من أصعب فصول تاريخ الكويت.

خرج وطننا من محنة الغزو مثقلاً بالجراح، وكانت الكويت تعيد بناء مؤسساتها وتستعيد حياتها، وكان التعليم أمام تحدٍّ استثنائي؛ فقد حُرم أبناؤنا من عام دراسي بسبب الغزو، وكان مستقبل جيل كامل ينتظر قرارات استثنائية تليق بظروف لم تكن عادية.

وكان من أبرز التحديات آنذاك ما عُرف بـ «سنة الدمج»، وهو القرار الذي اتُّخذ لمعالجة السنة الدراسية التي فقدها الطلبة خلال الغزو، وتمكينهم من تعويض ما فاتهم والعودة إلى مسيرتهم التعليمية دون أن تضيع سنة أخرى من أعمارهم.

قد تُختصر القرارات، بعد مرور السنين، في سطر أو فقرة، لكن مَن عاش تلك الأيام يعرف أن وراءها مسؤولية كبيرة وظروفاً استثنائية.

كانت الكويت قد خرجت للتو من الغزو، وكانت المدارس والجامعات، شأنها شأن بقية مؤسسات الدولة، تحاول أن تنهض من جديد. وكان لا بد أن يعود الطلبة إلى مقاعدهم، وأن تستعيد المدارس والجامعات دورها، وأن يشعر الناس بأن الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها.

وفي تلك الظروف، كان لا بد من رجال يتحملون مسؤولية القرار ويضعون مستقبل أبناء الكويت فوق كل اعتبار.

لقد كان الدكتور سليمان من جيل آمن بأن التعليم أساس بناء الأوطان، وأن الاستثمار الحقيقي للكويت هو الاستثمار في الإنسان؛ في علمه وعقله وقيمه ومستقبله. جيل رأى في خدمة الوطن واجباً لا مِنّة فيه، وفي المنصب مسؤولية لا امتيازاً.

لكن المناصب، مهما علت، لا تختصر الإنسان. وما يبقى في ذاكرتنا اليوم ليس المنصب ولا الألقاب، وإنما الإنسان.

من عرف الدكتور سليمان البدر عن قرب عرف فيه هدوء العالم، ووقار المربي، ودماثة الخلق، وبساطة الإنسان.

يبقى ذلك الرجل الهادئ الذي لم يكن بحاجة إلى أن يرفع صوته ليُسمع، ولا أن يتحدث عن نفسه ليُعرف.

وتبقى تلك الصفات التي لا تُكتب في السير الذاتية، ولا تحفظها الوثائق الرسمية، لكنها تُحفظ في مكان أبقى وأصدق... في قلوب الناس.

لقد كان من جيل عمل كثيراً وتحدث قليلاً، أعطى دون أن يجعل من عطائه حديثاً عن نفسه، وخدم وطنه وأهله ومجتمعه بهدوء وإخلاص.

واليوم، وأنا أستعيد سيرته على أميال بعيدة عن أرض الوطن، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن الإنسان لا يبقى بما جمع، ولا بما حمل من ألقاب، ولا بعدد المناصب التي شغلها.

بكلمة طيبة قالها في وقتها، وبيد امتدت لمحتاج دون أن يعلم بها أحد، وبعلم تركه، وبطالب تعلّم منه، وبأهل وصلهم وأحبهم، وبوطن خدمه حين احتاج إليه.

أما نحن، أهله ومحبيه، فسيبقى لنا منه ما هو أثمن من كل المناصب والألقاب:

رحمك الله يا أبا خالد رحمة واسعة، وغفر لك، وأكرم نزلك، ووسّع مدخلك، وجعل ما قدمته من علم وخير وعطاء وصلة رحم وخدمة لوطنك وأهلك في ميزان حسناتك.

رحلت عن أعيننا، ولكنك لم ولن ترحل من قلوبنا.

وبعض الرجال حين يرحلون، لا يغيبون؛ لأنهم تركوا في كل قلب عرفهم أثراً، وفي كل عمل صالح ذكراً، وفي الحياة سيرةً تُروى بالخير.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓