بين المخطط والفخ... أفول نظام وبناء بديل

هناك مساران للتحليل والقراءة بشأن وضع الشرق الأوسط في قادم السنوات، أحدهما لا يزال يظنّ أن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وإعادة تقسيم النفوذ بما يجعل للكيان الصهيوني اليد الطُّولى في شؤون المنطقة تحت عنوان «الشرق الأوسط الجديد»، والذي كان ضمن ترتيباته تقاسُم النفوذ بينه وبين إيران بمخطط وترتيب وإشراف أميركي هو الحال القادم والراجح للشرق الأوسط في العقد القادم من الزمان.
وثانيهما بدأ يعيد حساباته ليرى حالة توازن أكثر حضوراً سيكون حال الشرق الأوسط، مع رجحان كبير للتحالف الجديد التركي - السعودي - المصري - الخليجي، وفي معيّتهم سورية والأردن، وتنسيق كامل مع باكستان هو المخاض الواقعي والمتشكل بعجلة سريعة منذ أقل من عامين ماضيين هو الذي سيكون سائداً في الشرق الأوسط، والاتجاه الثاني هو ما أتبنّاه وأرجّحه، وأرى أن شواهده صارت مدركة وبحضور مؤثر ومباشر لأطرافه.
فالكيان الصهيوني، رغم أنفه، سيمرّ بحالة انكماش وتراجع - وربما ما هو أكثر من ذلك، ولن نستعجل في الحديث عمّا هو أكثر من ذلك - فقد شهد هذا الكيان تداعيات كبيرة على وجوده ودعمه وقدرته في تحقيق أطماعه التوسعية، بعد «طوفان الأقصى» وما تمخّض عنه من سلوكيات إجرامية بشعة ومدانة من الكيان عجّلت بتخلّي حلفائه الأوروبيين عنه، بل وإدانته وربما سنشهد عقوبات ومقاطعة ومحاصرة ستُفرض عليه من قبلهم، ورافق ذلك أن الأميركيين بدأوا، شعبياً، في التخلي عنه والتحريض عليه، وتعددت اللوبيات الأميركية التي أصبحت تعمل علناً ضد مصالح الكيان في أميركا وتلاحق وتدين مَن يؤيده ويدعمه علانية وبعمل منهجي، وسيكون لذلك وضوحه في قادم الأيام وكلفته الباهظة على مَن يدعم الكيان أو يبرّر وجوده، ما دامت لم تقم لفلسطين دولة حقيقية على أراضي ما قبل عام 1967، وهي المطالبة المتصاعدة في أميركا وتلاقي قبولاً داخل حركة الماجا، مثل غيرها من تلك اللوبيات.
وقد بدأ هذا التوجه وتأثيره ينعكس على أكثر حكومة صهيونية في تاريخ أميركا، فبدأ ترامب بالتخلي شيئاً فشيئاً، وكذلك شخصيات مؤثرة في إدارته وحزبه.
وإيران، هي الأخرى بطريق انتهاء حالة النفوذ التي مُنحت لها بالتقاسم والتفاهم مع الكيان الصهيوني، فقد انتهى وجودها في سورية وفي الطريق نهايتها في لبنان، ودورها في بسط النفوذ على دول الخليج في أفول، كما هي حال الكيان الصهيوني، وبَتْر يد إيران عن مضيق هرمز سيكون من أهم مظاهره، بمخطط واقعي وليس فخاً استدراجياً، في طرح مشكلة المضيق، والتي ولدت أزمة العالم للطاقة من رحمه، حتى يتم «تدويله»، وهو ما نرى إرهاصاته حاضرة أميركياً وأوروبياً.
وستتسع حالة التوازن الذي سيتولاه التحالف الجديد التركي - السعودي - المصري - والخليجي، وفي معيّتهم سورية والأردن، وبتنسيق مع باكستان، وسيتشكل هذا سريعاً، فينتهي الوجود الإيراني في اليمن والعراق، وأظن ذلك سيكون أقصاه خلال عام 2027، وسيوكل أمر ترتيبات المنطقة واقعياً وبمباركة أميركية لهذا التحالف الذي يتمتع بالقبول الدولي، وبالشرعية الداخلية والدولية، وبمكوّن سياسي قوي الحضور وإمكانات عسكرية فائقة ومقدرات مالية لا نظير لها، ليعود من خلاله للشرق الأوسط دوره المهم في بسط الاستقرار في هذا الإقليم، وتفعيل دوره كبوابة اقتصادية ومالية للعالم، وقوة ردع في مواجهة الماردين الصهيوني والإيراني الفاقدين للشرعية والإمكانات، وهو ما أرى ملامح تشكُّله والمُضيّ في مساراته وقيامه بمسؤولياته بتعاون وتوافق غير مسبوق، وستتقلّص كل من إيران والكيان الصهيوني إلى حدود متضائلة، مع احتمال استقطاع جزء من إيران، وقيام فعلي للدولة الفلسطينية في نطاق حدود ما قبل 1967.
فما كان مخططاً وربما فخّاً تحوّل إلى مخطط جديد واقعي براغماتي، وأفول حالة القوتين اللتين كانتا تتحكمان في الشرق الأوسط، وربّما كانتا تحلمان بما هو أكثر من ذلك، وها هو قد انتهى، وطريقه إلى أفول، وأخذ محلّه نظام بديل يتولاه ويملؤه التحالف الجديد.