قائد في ذاكرة قطر *

استيقظتُ على رنين عدة مكالمات من قطر، وما إن أجبت حتى سمعت صديقتي القطرية تجهش بالبكاء وهي تردد: «مات أبونا». لم أحتج أن أسألها عمّن تعني، فقد أدركت أنها تتحدث عن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله.
ساد بيننا صمت طويل لم أعرف ماذا أقول، ولم أجد كلمات يمكن أن تخفف من حزنها... في تلك اللحظة أيقنت أن هناك رجالًا يعجز الرثاء عن الإحاطة بمكانتهم، وأن الكلمات، مهما وصلت بلاغتها، تقف عاجزة أمام قامات صنعت تاريخًا، وتركت أثرًا لا يزول برحيل أصحابها.
عرفت قطر منذ سنوات طويلة، وفيها من الأهل والأصدقاء ما جعلها وطنًا قريبًا إلى القلب وكانت في كل زيارة أذهب إليها تحمل دهشة جديدة، مدينة تتغير، ومؤسسات تتطور، وطموح يكبر عامًا بعد عام. قطر صغيرة في مساحتها، لكنها أثبتت للعالم أنها كبيرة برؤيتها، وما حققته من إنجازات جعلها تتبوأ مكانة مرموقة بين دول العالم.
لم يكن ذلك الفصل المشرق من تاريخ قطر الحديثة وليد المصادفة، بل ثمرة رؤية قائد استثنائي آمن بأن بناء الأوطان لا يبدأ بما تملكه من ثروات، وإنما بما تمتلكه من رؤية وإرادة. ولأن كثيرين يظنون أن سر النهضة كان في الغاز، كان لا بد أن تثبت التجربة أن الثروات قد تمنح الدول فرصة، لكنها لا تمنحها مستقبلًا، فالمستقبل يحتاج إلى صاحب رؤية يعرف كيف يحول الموارد إلى تنمية، ويجعل الاقتصاد وسيلة لبناء الإنسان، لا غاية بحد ذاته.
ولكي تعرف توجهات صاحب الرؤية، فعليك أن تنظر إلى أولى اللبنات التي وضعها، فقد جاء تأسيس مؤسسة قطر، واستقطاب الجامعات العالمية إلى المدينة التعليمية، ليؤكد أن بناء العقول هو الاستثمار الذي لا يفقد قيمته، ثم جاءت رؤية قطر الوطنية 2030 لترسم مسارًا طويل المدى للتنمية.
وامتدت هذه الرؤية إلى خارج حدود الوطن، فكان لقطر حضور في المبادرات الإنسانية، وجهود الحوار والوساطة، ودعم القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما تُوِّجت سنوات التخطيط بتنظيم بطولة كأس العالم في قطر 2022، التي بدأت ملامحها في عهد الأمير الوالد، واستُكملت في عهد سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
ولعل أعظم ما يتركه القادة ليس ما يُكتب عنهم في الكتب، بل ما يبقى حاضرًا في ذاكرة الناس، فحين يتحول الإنجاز إلى جزء من حياة الوطن، يصبح الوفاء لهم فعلًا يتجدد مع كل خطوة يواصل بها الوطن مسيرته.
وبعد أن أغلقت الهاتف، بقيت عبارة صديقتي تتردد في ذهني «مات أبونا» عندها أدركت أن بعض القادة لا يحتاجون إلى من يعدد إنجازاتهم، لأن أوطانهم تتحدث عنهم كل يوم، وتبقى أعمالهم خير شاهد على ما قدموه لشعوبهم، ولأن ما يتركونه في وجدان الناس يبقى أصدق من أي خطاب، وأبلغ من أي رثاء.