ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم د. محمد لطفـي

موازين القوة وشرعية الدم في أخلاقيات الهاوية

موازين القوة وشرعية الدم في أخلاقيات الهاوية

يواجه الضمير الإنساني اليوم مأزقاً أخلاقياً وسياسياً غير مسبوق، تتبدد فيه الشعارات البراقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان على صخرة الواقع الدامي في الشرق الأوسط. وفي ظل المشاهد المروعة القادمة من غزة، الضفة الغربية، لبنان، والسودان وسوريه قبل التحرير، تبرز تساؤلات ملحة تبحث عن إجابات منطقية تائهة في دهاليز «العدالة العوراء» وازدواجية المعايير الدولية.

​عندما يمارس الساسة – وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو – ما يصفونه بـ «مكافحة الإرهاب» لحماية شعبهم، يجد العالم نفسه أمام معادلة مقلوبة: هل يُعقل أن يكون الردع عبر إبادة أصحاب الأرض؟ وهل يبرر الحفاظ على أمن جبهة معينة، قتل مئات الأضعاف من المدنيين العزل من نساء، وأطفال، وشيوخ، وشباب غير مجندين؟ إننا هنا لا نشهد مجرد حرب، بل نشهد «محرقة الأمن» حيث يُشرعن البقاء من خلال إبادة الآخر، وذلك بتدمير الحجر والبشر. وإذا كان الفعل الموجه ضد إسرائيل بشعاً، فلماذا تُقابل البشاعة بما هو أسوأ منها وأشد فتكاً؟

​إن الإجابة عن هذه المعضلات لا تكمن في القانون الدولي، بل في «واقع القوة»؛ فالنظام العالمي المعاصر لم يعد يُبنى على أسس العدل، وإنما صُمم لضمان امتلاك القوى الكبرى وحلفائها لـ «حق الردع المطلق».

يتجلى هذا «الغموض الاستراتيجي» و«الفوضى المعيارية» في الملف النووي؛ إذ ترفض إسرائيل التوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) وتتحصن ترسانتها ضد أي تفتيش، في حين تُطالب أطراف أخرى بالالتزام الصارم بالبنود. وهنا يصفعنا السؤال المنطقي: لماذا لا يتم الكشف عن الكل أو منع هذه الأسلحة الفتاكة مسبقاً على الجميع؟ ولماذا يحق للقوي ما لا يحق لغيره؟

​هذا الانهيار الأخلاقي للأنظمة التي تدعي الديمقراطية يقودنا مباشرة إلى «أخلاقيات الهاوية»، حيث يصبح رد الفعل أبشع من الفعل نفسه، وتتحول خديعة «الدفاع عن النفس» إلى استراتيجية عقاب جماعي وتدمير شامل.

إن الأسلوب المتبع حالياً يتجاوز بمسافات مفهوم «الدفاع عن الأمن» ليدخل في نطاق فرض السيادة بالقوة المفرطة ومحاولة تغيير الديموغرافيا على الأرض.ومثال حي آني على ذلك بأسلوب ملتوٍ يموّه في الأسباب الموهبه، نراه في العدوان الآثم على المنشآت الحيوية والمناطق المدنية في دول الخليج الذي لايبرهن على غياب الرغبة في السلام فقط.. بقدر ما يعكس قناعة طهران بأن الجغرافيا الخليجية هي الخاصرة التي يمكن من خلالها إيلام القوى الكبرى، حتى وإن كان الثمن هو إحراق الجسور الدبلوماسية مع جيرانٍ طالما نادوا بالسلام وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية..

إن المنطق الإنساني والتاريخي يؤكد دائماً أن العنف لا يولد إلا العنف، وأن -الظلم الصارخ في توزيع الحقوق، سواء في الأرض أو في حق امتلاك أدوات الردع – هو المحرك الأساسي والدائم لاستمرار الصراع.

​وفي النهاية، يبقى السؤال الأخير الذي يفرض نفسه على وعي القارئ: هل تمتلك المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، الأدوات الحقيقية لتطبيق «المساواة» وإنفاذ القانون؟ أم أنها باتت مجرد واجهة وقناع لتمرير إرادة القوى الكبرى وصناعة البشاعة في عالم يحكمه منطق الغاب؟..

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓