بالفيديو.. «مرة واحد مينون».. الحكمة من أفواه المجانين!
&cropxunits=450&cropyunits=301&w=770)
ياسر العيلةإذا كنت تبحث عن ثلاث ساعات من الضحك والغناء والموسيقى والاستعراض فلا تتردد في دخول «مصحة النورس»! لكن هناك شرطا واحدا للاستمتاع الكامل بمسرحية «مرة واحد مينون» وهو أن تترك عقلك خارج باب المسرح لبعض الوقت، وتقرر أن تعيش الحالة بكل تفاصيلها مع هؤلاء «المجانين» الذين لا يكتفون بالبقاء فوق خشبة المسرح، بل يهبطون أكثر من مرة إلى الجمهور ليصبح الجميع جزءا من هذه الرحلة المجنونة الممتعة.«مرة واحد مينون» ليست مجرد مسرحية كوميدية تقليدية، بل تجربة كويتية تقدم للمرة الأولى تقريبا خلطة تجمع الـ«لايف ميوزيكال» بالكوميديا والاستعراض، مع حكاية درامية وإنسانية تتسلل بهدوء بين الضحكات والأغنيات والمواقف الساخرة، وعلى مدار ما يقارب ثلاث ساعات يعيش الجمهور حالة من التنوع المستمر، فلا يكاد يستقر في مشهد حتى ينتقل إلى آخر يحمل لونا مختلفا من الكوميديا أو الغناء أو الاستعراض.تبدأ الحكاية داخل «مصحة النورس»، حيث يلتقي الجمهور مجموعة من النزلاء، لكل منهم حكايته الخاصة و«سالفته» التي قادته إلى هذا المكان ومع وصول المفتش «لؤي» من وزارة الصحة للتحقيق في البلاغات المتعلقة بالتجاوزات والممارسات القاسية داخل المصحة، تبدأ الأحداث في أخذ منحى أكثر تشويقا، وتتداخل الحقائق مع الهلاوس والذكريات، قبل أن يفاجئنا العمل بحقيقته الدرامية الأهم: فالمصحة ونزلاؤها لم يكونوا سوى انعكاسات لصدمات وذكريات قاسية تعيش في عقل المفتش «لؤي» نفسه!وهنا تكمن إحدى نقاط قوة النص الذي كتبه مصعب السالم، إذ نجح في إخفاء مفاجأته الدرامية وسط أجواء كوميدية صاخبة، وجعل المشاهد يضحك ويتفاعل مع الشخصيات وحكاياتها، قبل أن يعيد في النهاية النظر إلى الكثير مما شاهده، فكل شخصية تقريبا تصبح جزءا من رحلة داخل عقل «لؤي»، ومرآة تعكس جانبا من الصدمات الإنسانية التي يمكن أن تغير حياة الإنسان وتدفعه إلى مناطق نفسية معقدة.الجميل أن العمل لا يقدم هذه الأفكار النفسية بطريقة ثقيلة أو مباشرة، بل يضعها داخل قالب ترفيهي مليء بالكوميديا والموسيقى والغناء، وهو ما جعل الرسائل الإنسانية تصل إلى الجمهور بسلاسة، فبين الضحكات تظهر قضايا الحب والخذلان والفقر والطلاق والذكريات المؤلمة، لتؤكد المسرحية أن خلف كل ابتسامة حكاية، وخلف كل إنسان وجع قد لا يراه الآخرون.ويحسب للمخرج محمد جمال الشطي نجاحه في قيادة هذه الخلطة المتنوعة والمحافظة على إيقاع العرض، خصوصا مع التنقل المستمر بين المشاهد الحوارية والاستعراضية والغنائية، كما أنه استطاع أن يمنح الخشبة حالة من الحركة والحيوية، مع استثمار وجود الممثلين بين الجمهور في أكثر من محطة، وهو ما كسر الحاجز التقليدي بين المتفرج والمسرح وجعل الجميع يعيش أجواء العرض بصورة أكثر تفاعلا.أما على مستوى الأداء التمثيلي، فقد كان واضحا أن روح الفريق الواحد كانت حاضرة بقوة، وشكل النجمان أسامة المزيعل وهبة الدري دويتو جميلا ومحببا من خلال شخصيتي «نبيهة» و«حمد»، حيث جمعا بين الكوميديا وخفة الظل والطاقة الكبيرة، وكانا بالفعل شعلة من النشاط والحيوية على خشبة المسرح، في انسجام منح مشاهدهما خصوصية واضحة.كما قدم الأخوان مشاري وشملان المجيبل أداء متميزا، وأضفيا بروحهما المرحة وحضورهما المحبب جرعة كبيرة من الفرح والسعادة إلى العرض، بينما نجح الفنان الشاب صالح الفيلكاوي في لفت الأنظار بأدائه وحضوره، مؤكدا امتلاكه أدوات فنية تستحق التوقف عندها.وشاركهم هذا التألق منال الجارالله وشاهين الشاهين ومشعل المجيبل، حيث قدم كل منهم شخصيته بطريقته الخاصة، وأسهموا جميعا في اكتمال الصورة الجماعية للمسرحية، وهي من أهم عناصر نجاح العرض، إذ لم تكن البطولة هنا حكرا على اسم واحد، بل كانت خشبة المسرح تتسع للجميع.ولا يمكن الحديث عن العمل من دون التوقف عند الموهبة الجميلة مصعب السالم، مؤلف المسرحية وأحد أبطالها، الذي لم يكتف بتقديم نص يحمل الكثير من التحولات والمفاجآت، بل قدم شخصية المفتش «لؤي» بأداء متميز، خصوصا أن الشخصية تحمل العبء الدرامي الأساسي للعمل، وتنتقل بين محاولتها اكتشاف حقيقة ما يحدث داخل المصحة، وصولا إلى اكتشاف الحقيقة الأكثر قسوة، وهي أن كل هذا العالم كان في جانب كبير منه رحلة داخل عقله وذاكرته.ومن العناصر التي منحت «مرة واحد مينون» نكهتها الخاصة، تلك الفرقة الموسيقية التي عزفت «لايف» طوال مدة العرض، وشاركت نجوم المسرحية في صناعة حالة من البهجة والسعادة. لم تكن الموسيقى مجرد خلفية للمشاهد، بل كانت عنصرا حيا ومتفاعلا مع الأحداث، وقدمت الفرقة مجموعة متنوعة من الأغنيات الخليجية والعربية بأسلوب جميل وحيوي، جعل الجمهور في بعض اللحظات يشعر وكأنه انتقل من المسرح إلى إحدى الملاهي الليلية المميزة والمتنوعة بفقراتها الغنائية والاستعراضية.هذه الحالة الاحتفالية كانت أحد أسرار متعة العرض، إذ نجحت الموسيقى الحية في الحفاظ على الطاقة العالية للمسرحية، ومنحتها خصوصية تتناسب مع طبيعة تجربة الـ«لايف ميوزيكال»، لتصبح الأغنيات والاستعراضات جزءا أصيلا من الحالة العامة، لا مجرد فواصل بين المشاهد.ورغم أن نهاية «مرة واحد مينون» تحمل جانبا دراميا مؤثرا، فإن العمل لا يغادر ذاكرة المشاهد باعتباره حكاية حزينة، بل يترك وراءه مجموعة من الرسائل الإنسانية التي قد تلامس مشاعر الكثيرين منا، وربما تكون هذه المفارقة هي أجمل ما في المسرحية، فنحن نضحك طوال الرحلة مع مجموعة من «المجانين»، ثم نكتشف في النهاية أنهم ربما كانوا أكثر حكمة وصدقا من كثير من العقلاء!«مرة واحد مينون» تجربة مسرحية تقول لجمهورها بطريقة غير مباشرة: لا تأخذوا الحياة دائما بمنتهى الجدية، اضحكوا، غنوا، تخلوا عن قيود العقل لبعض الوقت، لكن لا تنسوا أن تصغوا جيدا لما تقوله الشخصيات بين الضحكات، فقد تجدون في كلام «المجانين» شيئا من الحقيقة التي لا نجرؤ نحن العقلاء على الاعتراف بها.وبعد أكثر من ثلاث ساعات من الضحك والغناء والجنون الجميل، يبدو أننا خرجنا من «مصحة النورس» مقتنعين تماما بمقولة قديمة تقول «خذوا الحكمة من أفواه المجانين»، لكن «مرة واحد مينون» أعادت تقديمها بطريقتها الخاصة.